فريدريك تايلور.. رائد الإدارة العلمية (1856 - 1915)


قبل حلول عام 1880 لم يكن هناك أساس علمي وأسلوب منهجي تسير عليه الإدارات بالمؤسسات، فقد اعتمدت تلك الإدارات بشكل أساسي على الخبرة والمهارة فقط..حتى ظهر فريدريك تايلور ذلك المهندس الشاب الذي جاء آنذاك ليغير تلك الأفكار بإرساء مبادئ الإدارة العلمية، إذ أكد على أن المديرين يجب أن يعملوا بناء على دراسة علمية متعمقة مرتبطة بمجال العمل، وألا يقوم العمل الإداري بناء على الحدث أو الخبرة أو المهارة فقط. 
يقول فريدريك تايلور في كتابه إدارة الورشة الصادر عام 1930 "إن فن الإدارة هو المعرفة الدقيقة لما تريد من الرجال عمله، ثم التأكد من أنهم يقومون بعمله بأحسن طريقة وأفضلها".
- تايلور..حياة مشرفة
ولد فريدريك وينسلو تايلور في فيلادلفيا بالولايات المتحدة الأمريكية في 20 مارس 1856 لأسرة تنتمي إلى الطبقة الليبرالية العليا، وكون والده محاميًا وفر لديه ثروة كافية من الأملاك العقارية لم تجعله مضطرًّا للاستمرار في وظيفة منتظمة، وكانت والدته مناصرة نشطة لحركة تحرير العبيد والحركة النسائية وقيل إنها قامت بتأسيس مكان لإخفاء ومساعدة العبيد الهاربين، وكان الوالدان أعضاء في جمعية الأصدقاء وكانا يؤمنان بسمو التفكير والحياة البسيطة، وقد تعلم تايلور في سن مبكرة التحكم في الذات وساعدته تربيته على مبادئ جمعية الأصدقاء في تجنب الصراعات مع نظرائه وتسوية نقاط الخلاف فيما بينهم.
وكان تيلور مراهقًا ذا رغبة قوية في النجاح وكان دائمًا ما يعد ويقيس الأشياء لاستنباط الطريقة الفضلى لإنجاز شيء ما، وقد اخترع في سن الثانية عشرة جهازًا لنفسه لتجنب النوم على ظهره؛ أملاً في تجنب الأحلام المزعجة التي كان يمر بها.
وفي إنجاز آخر لتايلور فاز ببطولة Lawn Tennis Association زوجي بالولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث استخدم مضربًا على شكل ملعقة مسجلاً ببراءة اختراع وقد صممه بنفسه.
وقد دخل في البداية أكاديمية فيليبس ثم تم قبوله في جامعة هارفارد، كما حصل على درجة جامعية في الهندسة في سن الخامسة والعشرين، ورغم أنه تفوق في الرياضيات وحصل على درجة جامعية متميزة اختار تايلور العمل في المجال الصناعي، وتأثر بنظام التصنيف الذي وضعه ميلفيل ديوي والذي سمي بنظام ديوي العشري، وفي 1878 صار تايلور عاملاً في مصنع الأعمال الهيدروليكية للماكينات في شركة ميدفال للحديد.
وبعد فترة التمرين في المصنع بدأ في وظيفته الجديدة وتقدم بسرعة البرق؛ حيث أصبح مُصنع الماكينات ورئيس ومراقب العمال في الصيانة والمصمم الأول، وترقى في غضون ست سنوات إلى وظيفة مدير الأبحاث ثم مهندس أول، ويرجع الفضل له في طرح فكرة العمل بالقطعة في المصنع، وقد وضع هدفًا لاكتشاف أكثر الطرق كفاءة لأداء مهمة معينة، وكان ينظر عن كثب إلى كيفية إنجاز العمل وكان يقيس بعدها كمية العمل المُنتج، وساهم بدراسات حول أساليب العمل في 1881 مع أفكار كل من بي وليليان إم جيلبرث، وتولى منصب المدير العام في شركة Manufacturing Investment Company في عام 1890 ثم صار مهندسًا استشاريًّا في الإدارة.
وكان تايلور مؤمنًا بأن السر وراء الإنتاجية هو اكتشاف التحدي الصحيح لكل شخص ثم تعويضه بصورة ملائمة عن الإنتاج الزائد، وفي ميدفال استخدم دراسات أساليب العمل لتحديد الحصص الإنتاجية اليومية، وتُقدم الحوافز إلى هؤلاء الأشخاص الذين يصلون إلى معدل الإنتاج اليومي، ويحصل الذين لا يصلون إلى هذا المعدل على تعويض مغاير متمثل في مبلغ أقل بكثير، واستطاع تايلور مضاعفة الإنتاجية باستخدام دراسة أساليب العمل والقيود والأدوات المنتظمة ورئاسة العمال الوظيفية والخطة الجديدة للأجور، وكان يدفع للشخص وليس للوظيفة. 
ولسوء الحظ لم يستطع تايلور فهم مقاومة العاملين في الشركة حين لاحظ انخفاض الإنتاجية وضياع الوقت والجهد والمواد دون تحقيق فائدة، فسرعان ما قام بإجراء التجارب الميدانية من أجل زيادة الكفاءة، وقد نشر تجاربه على شكل نظرية في كتابه المعروف "مبادئ الإدارة العلمية" عام 1911م، وقد ركز على الأساليب المخفضة للتكاليف حيث كان هدفه هو المحافظة في ذات الوقت على السرعة والدقة، وقال من وجهوا النقد إليه إنه كان قاسيًا للغاية؛ لأن خطته المبتكرة له تسببت في فقدان الأفراد لوظائفهم بالإشارة إلى قيامه باستبدال 120 عاملاً بـ 35 فقط في فترة عمله في شركة Simonds. 
أبو الإدارة العلمية 
قبل عام 1880 لم يكن هناك تقريبًا أي منهجية رامية إلى إيجاد سبل لإدارة العمال على الوجه الصحيح، فممارسة الإدارة كانت تستند أساسًا إلى الخبرة، والحدس، والحس السليم حتى جاء دبليو فريدريك تايلور وهو المهندس الشاب الذي حاول تغيير هذا النهج، فقد تبنى الرأي القائل بأنه ينبغي لمديري الإدارات المختلفة دراسة العمل بطريقه علمية، وفى سبيل تدعيم فكرته أرسى نموذجًا من شأنه أن يوجه العمل نحو الأسلوب العلمي من أجل تحسين كفاءة المهام، وكان فكر تايلور آنذاك هو ما يمثل الإدارة العلمية بمفهومها الحالي. 
فقد تحدث تايلور عن التحفيز، وكان من أوائل من ركزوا على هذا الموضوع حين ذكر أهمية الحوافز المادية وكان ذلك في عالم 1911، وقد افترض تايلور في منهجه أن الموظفين كسالى، ولا يمكن تحفيزهم إلا من خلال الرواتب والحوافز المالية فقط، ومن أجل الوصول لنظام عادل للرواتب والحوافز، فقد اقترح تايلور أن يتم تقسيم العمل إلى أجزاء صغيرة والبحث عن أفضل من يمكنه القيام بها، ثم إعادة دمج هذه الأجزاء ثانية بشكل فعال، وهذه العملية سميت ب "دراسة الحركة والوقت".
وتتلخص أهم مبادئ تايلور فيما يلي: 
1. إحلال الطرق العلمية بدلاً من الطرق البدائية التي تقوم على التقدير والتخمين.
2. اختيار العاملين وتدريبهم بصورة علمية صحيحة. 
3. تعاون الإدارة مع العاملين لتنفيذ الأعمال المطلوبة بدلاً من النزاع. 
4. تقسيم عادل للعمل بين الإدارة والعمال؛ حيث تتولى الإدارة أعمال التخطيط وتنظيم العمل. 
5. فصل أعمال التخطيط عن أعمال التنفيذ حتى يتسنى لكل فرد أن يقوم بواجبه بكفاءة عالية.
6. تحديد العناصر الهامة للمهمة والتركيز عليها.
كذلك فقد كان تايلور مدافعًا قويًّا عن تطابق الصفات البدنية لأبعاد المهمة التي يتعين إنجازها، فقد رأى تايلور أن كل مهمة من مهام العمل تلائم أحد الأفراد أكثر من الآخرين، لذا فقد كانت السمات الجسدية للعامل والمتمثلة في القدرة الإنتاجية، ومتانة العضلات، ومقاومة الإجهاد هي أهم العوامل التي يتم على أساسها اختيار العاملين، ورأى تايلور أن هناك عنصرًا آخر يجب أن يضاف إلى هذه المعادلة ويتمثل ذلك في تغيير نظام الدفع السائد في هذه الأثناء من نظام الأجر بالساعة إلى نظام الأجر المرتبط بكمية الإنتاج.
لماذا واجه تايلور النقد؟
وقد أدى تطبيق أفكار تايلور في صناعة الصلب إلى زيادة كبيرة في الإنتاج خاصة مع علو الأجور التي كان يحصل عليها العاملون، ومع ذلك فقد واجه تايلور العديد من أساليب المقاومة بسبب زيادة المطالب المادية وكثرة حالات تسريح العمال، إضافه إلى حرمان العمال من فوائد زيادة الإنتاج. 
وفي الواقع فقد أدت هذه الآثار إلى العديد من الاضطرابات التي حدثت بين العمال ووصلت إلى النقابات، كما عُقدت جلسات استماع في الكونغرس حول أساليب تايلور لتقييم إمكاناتها في استغلال العمال، وبالرغم من ذلك فقد كان لأفكار تايلور الأثر طويل الأجل على الصناعة الأميركية، إذ أدت إلى تحسين الكفاءة والإنتاجية، وساعدت في تحويل نظام العمل إلى كيان متكامل من أجل تحقيق الهدف الأساسي للمؤسسات.
وقد واجه منهج الإدارة العلمية عند تايلور العديد من أوجه النقد للأسباب التي ذكرناها والتي نزيد من توضيحها في النقاط التالية:
1. رأى الكثيرون أنها تضر بصالح العاملين وتلغي شخصية العامل وتجعله يعمل مثل الآلة ومن ثم تقل أهميته داخل المؤسسة. 
2. ركز تايلور في منهجه على مستوى المصنع الصغير.
3. أدت أفكار تايلور إلى حدوث صراعات بين العاملين وأصحاب العمل. 
4. طريقة الحوافز التي اقترحها تايلور أدت إلى إرهاق بالغ للعاملين ولا سيما شديدي الحاجة منهم؛ إذ يجهد العامل نفسه بأقصى طاقة ممكنة من أجل الحصول على الأجر حتى وإن كان ذلك على حساب صحته.
5. على صعيد آخر عارضها أصحاب المصانع الذين خيل إليهم أنها تعطي حقوقًا جديدة للعمال لا يستحقونها. 
6. لاقت أفكاره معارضة شديدة؛ لأنها تتضمن طرقًا جديدة في الإدارة لم يعتد عليها أصحاب المصانع، فآنذاك كانت الطرق التقليدية في الإدارة بمثابة عادات وتقاليد ثابتة غير قابلة للتغيير. 
منهج الإدارة العلمية الأكثر استخدامًا رغم كل شيء
ورغم كل ما سبق وذكرناه من عيوب لمنهج الإدارة العلمية عند تايلور إلا أن فلسفته لا تزال هي الأكثر استخدامًا في الصناعة خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، والمجتمعات الأوروبية التي وجدت فلسفة تايلور الأكثر ملاءمة لثقافتها، حتى لينين في الوقت الذي كان فيه رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي دعا إلى اعتماد مبادئ الإدارة العلمية هذه للصناعة السوفيتية. 
ومما يدل على وجود جانب إيجابي في منهج تايلور جعله مؤهلاً بالفعل لهذا الانتشار الواسع الذي هو عليه الآن - ما قاله في إحدى محاضراته للمديرين وأرباب العمل في جامعة "هارفارد" بكلية إدارة الأعمال:
"إنني أفترض أيها السادة أن معظمكم ليسوا بأبناء عمال وأنكم لم تمارسوا بأنفسكم العمل ولو لمرة واحدة مع العمال وأريد أن أوجه نظركم لحقيقة مهمة ينبغي عليكم أن تضعوها في أذهانكم وأنتم تتعاملون مع العمال وموظفي المستويات الدنيا، هذه الحقيقة هي أن العاملين مثلي ومثلكم، وأن العامل وأستاذ الجامعة لهما نفس المشاعر، ونفس البواعث ونفس الآمال، لهما نفس النقائص ونفس الفضائل، وأن هؤلاء العمال قضوا طيلة حياتهم يتلقون الأوامر ويطيعونها لأنهم في المستويات الدنيا، فلا تتصوروا أن هذا يعني أنهم أقل احترامًا لأنفسهم منا، إنهم ينظرون إلى أنفسهم على أنهم فضلاء وأهميتهم في مجتمعاتهم وأهليهم مثلي ومثلكم تمامًا، وليكن مفهومًا أن الشك يعد من أهم خصائصهم حين يتعاملون معنا، بل إنهم يبحثون عن أي علامة يتوهمون منها أننا متعالون عليهم أو أننا ننظر إليهم نظرة احتقار، وعليه فإنه من الواجب علينا لكي ننجح في أعمالنا ونحقق أهدافنا أن نتعامل مع العاملين معاملة إنسانية.
إن القيادة فن وعلم يتعلقان بالتفاعل الروحي والعقلي بين قائد المجموعة وأفرادها الذين يوجههم ويؤثر فيهم لتحقيق أهداف مرغوب تحقيقها".
الشخص الذي أثر في العمل التنظيمي 
وفريدريك تايلور ذاك المهندس الأمريكي شق طريقه حتى أصبح واحدًا من الأوائل في جيل جديد من الكتاب وأصحاب النظريات المؤثرين للغاية في مجال الإدارة، ويعد أسلوب الإدارة العلمية الذي أرساه تايلور عبارة عن "دراسة العلاقات بين الأفراد والمهام بغرض إعادة تصميم دائرة العمل لزيادة الكفاءة". 
وما مهد لإحداث هذا التأثير أن تايلور قد ظهر وانتشرت كتاباته في وقت سادت فيه مشكلات إدارية كبيرة في المصانع واحتاجت إلى أساليب جديدة للتعامل مع التحديات في الإدارة. 
وقد كان فكره ومنهجه هما أحد أهم الأسباب التي أدت إلى ظهور محاولات تحليل السلوك في العمل بصورة منظمة، فقد كان النموذج الذي وضعه هو الآلة ولذا فإن أفكاره غالبًا ما صنفت على أنها نموذج الآلة للمؤسسات، حيث تُفتت كل مهمة إلى أصغر وحدة ممكنة لاكتشاف أفضل طريقة لإنجاز الوظيفة، ثم يتولى المشرف تعليم هذه الطريقة للعامل والتأكد من قيامه بالخطوات الأساسية فقط في المهمة، وذلك يفسر السبب وراء الإشارة إليها بـ "الإدارة العلمية" لأن تايلور حاول وضع علم لكل عنصر في العمل وتقييد البدائل للتخلص من التغير البشري أو الأخطاء. 
ولم يكن تايلور مهتمًّا حقًّا بموضوعات تنظيمية أو إدارية أخرى ولكن بؤرة تركيزه كانت الكفاءة، وقد كان تايلور مؤمنًا بأنه بزيادة التخصص وتقسيم العمل ستصبح العملية الإنتاجية أكثر كفاءة، وهذه العملية تتحقق بأفضل صورة باستخدام آليات الإدارة العلمية بخلاف المعرفة "العملية" غير الرسمية. 
كما كان أول من اقترح أيضًا فكرة تقسيم مهمة مشرف الخط الأول إلى ثمانية تخصصات كل منها منوط بشخص مختلف، وكما يشعر البعض فإن هذه الفكرة قادت في آخر الأمر إلى مفهوم المنظمات الماركسية. 
لقد كان لأفكاره تأثير عظيم في تنظيم العمل وأسلوب إدارة الأفراد، ولسوء الحظ رغم أن المهام أصبحت أكثر إنتاجية فإنها بدت أيضا متكررة ورتيبة والعديد من الموظفين كانوا غير سعداء في العمل. 
وزادت الإنتاجية تحت مظلة أساليب تايلور بصورة هائلة وبدت هذه الأساليب أنها مثمرة، وظهرت أقسام مستحدثة مثل قسمي العاملين ومراقبة الجودة، وزاد بريق المديرين في الإدارة الوسطى أكثر وأكثر عندما فُصل التخطيط عن العمليات، وزادت الرسمية في العمل وظهر المشرف ذو ساعة الإيقاف ونوتة الملاحظات في كل مكان في العمل وحاولت مجموعات العمال اكتشاف كافة الطرق لمقاومة ذلك. 
وهناك الكثير من المقالات النقدية التي تشير إلى أن عمل تايلور تطور في مجتمع من المهاجرين؛ حيث وجد عدد كبير من العمال ذوي الخلفيات والمهارات المتباينة والذين كان يجب تمكينهم من العمل مع بعضهم البعض، وما زال جزء جوهري من الإدارة العملية باقيًا معنا حتى اليوم ولكنه خضع فقط للتغيير والتحديث وأضفي عليه سمة إنسانية. 
توفي فريدريك تايلور في 21 مايو 1915 في فيلادلفيا، بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأمريكية، عن عمر يناهز التاسعة والخمسين بعد أن أثرى عالم الإدارة بأحد أكثر المناهج شهرة وانتشارًا ولا سيما في الدول المتقدمة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

keyboard_arrow_up

جميع الحقوق محفوظة © عرب سوسيو- طلبة علم الإجتماع القنيطرة -

close

أكتب كلمة البحث...